فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

وثانيها : قال الضحاك : نزلت في مشركي مكة قالوا : يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة ؟ وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء . وثالثها : لعل قومه قالوا : يا محمد إنك تدعي أن الدنيا ستنقضي فلو صح ما قلته لوجب أن تبتدئ أولاً بالنقصان ثم تنتهي إلى البطلان ، لكن أحوال العالم باقية كما كانت في أول الأمر ، فكيف يصح ما قلته من خراب الدنيا ؟ وهذه شبهة تمسك بها جالينوس في أن السماوات لا تفنى ، قال : لأنها لو فنيت لابتدأت في النقصان أولاً حتى ينتهي نقصانها إلى البطلان ، فلما لم يظهر فيها النقصان علمنا أن القول بالبطلان باطل ، ثم أمر الله تعالى رسوله بالجواب عن هذا السؤال وضم إلى الجواب أموراً أخر في شرح أحوال القيامة وأهوالها . الصفة الأولى : قوله : * ( فقل ينسفها ربي نسفاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما قال : * ( فقل ) * مع فاء التعقيب لأن مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشر والنشر ، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بفاء التعقيب . لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز ، أما في المسائل الفروعية فجائزة ، لذلك ذكر هناك قل من غير حرف التعقيب . المسألة الثانية : الضمير في قوله : * ( ينسفها ) * عائد إلى الجبال والنسف التذرية ، أي تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية فإذا زالت الجبال الحوائل فيعلم صدق قوله : * ( يتخافتون ) * قال الخليل : * ( ينسفها ) * أي يذهبها ويطيرها ، أما الضمير في قوله : * ( فيذرها ) * فهو عائد إلى الأرض فاستغنى عن تقديم ذكرها كما في عادة الناس من الإخبار عنها بالإضمار كقولهم : ما عليها أكرم من فلان وقال تعالى : * ( ما ترك على ظهرها من دابة ) * وإنما قال : * ( فيذرها قاعاً صفصفاً ) * ليبين أن ذلك النسف لا يزيل الاستواء لئلا يقدر أنها لما زالت من موضع إلى موضع آخر صارت هناك حائلة ، هذا كله إذا كان المقصود من سؤالهم الاعتراض على كيفية المخافتة ، أما لو كان الغرض من السؤال ما ذكرنا من أنه لا نقصان فيها في الحال فوجب أن لا ينتهي أمرها إلى البطلان ، كان تقرير الجواب : أن بطلان الشيء قد يكون بطلاناً يقع توليدياً ، فحينئذ يجب تقديم النقصان على البطلان وقد يكون بطلاناً يقع دفعة واحدة ، وههنا لا يجب تقديم النقصان على البطلان ، فبين الله تعالى أنه يفرق تركيبات هذا العالم الجسماني دفعة بقدرته ومشيئته فلا حاجة ههنا إلى تقديم النقصان على البطلان . المسألة الثالثة : أنه تعالى وصف الأرض ذلك الوقت بصفات . أحدها : كونها قاعاً وهو المكان المطمئن وقيل مستنقع الماء . وثانيها : الصفصف وهو الذي لا نبات عليه . وقال أبو مسلم : القاع الأرض الملساء المستوية وكذلك الصفصف . وثالثها : قوله : * ( لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) * وقال صاحب " الكشاف " : قد فرقوا بين العوج والعوج فقالوا : العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ، فإن قيل : الأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين ؟ قلنا : اختيار هذا اللفظ له موقع بديع في وصف الأرض بالاستواء ونفي الاعوجاج ، وذلك لأنك لو عمدت إلى قطعة