فخر الدين الرازي

114

تفسير الرازي

على المعاقب وصعوبة احتمالها الذي يثقل على الحامل وينقض ظهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم وقرئ يحمل ، ثم بين تعالى صفة ذلك الوزر من وجهين : أحدهما : أنه يكون مخلداً مؤبداً . والثاني : قوله : * ( وساء لهم يوم القيامة حملا ) * أي وما أسوأ هذا الوزر حملاً أي محمولاً وحملاً منصوب على التمييز . وثانيها : * ( يوم ينفخ في الصور ) * فالمراد بيان أن يوم القيامة هو يوم ينفخ في الصور وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ننفخ بفتح النون كقوله : * ( ونحشر ) * وقرأ الباقون ينفخ على ما لم يسم فاعله ونحشر بالنون لأن النافخ ملك التقم الصور والحاشر هو الله تعالى ، وقرئ يوم ينفخ بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله تعالى أو لإسرافيل عليه السلام ، وأما : يحشر المجرمين فلم يقرأ به إلا الحسن وقرئ في الصور بفتح الواو جمع صورة . المسألة الثانية : * ( في الصور ) * قولان : أحدهما : أنه قرن ينفخ فيه يدعي به الناس إلى المحشر . والثاني : أنه جمع صورة والنفخ نفخ الروح فيه ويدل عليه قراءة من قرأ : الصور بفتح الواو والأول أولى لقوله تعالى : * ( فإذا نقر في الناقور ) * ( المدثر : 8 ) والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوق عند الأسفار وفي العساكر . المسألة الثالثة : المراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لأن قوله بعد ذلك : * ( ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ) * كالدلالة على أن النفخ في الصور كالسبب لحشرهم فهو نظير قوله : * ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ) * ( النبأ : 18 ) ، أما قوله : * ( ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : * ( المجرمين ) * يتناول الكفار والعصاة فيدل على عدم العفو عن العصاة ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر ، وقد تقدم هذا الكلام . المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالزرقة على وجوه : أحدها : قال الضحاك ومقاتل : يعني زرق العيون سود الوجوه وهي زرقة تتشوه بها خلقتهم والعرب تتشاءم بذلك ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى أخبر أنهم : يحشرون عمياً فكيف يكون أعمى وأزرق ؟ قلنا : لعله يكون أعمى في حال وأزرق في حال . وثانيها : المراد من الزرقة العمى . قال الكلبي : زرقاً أي عمياً ، قال الزجاج : يخرجون بصراء في أول مرة ويعمون في المحشر . وسواد العين إذا ذهب تزرق فإن قيل : كيف يكون أعمى ، وقد قال تعالى : * ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) * وشخوص البصر من الأعمى محال ، وقد قال في حقهم : * ( إقرأ كتابك ) * ( الإسراء : 14 ) والأعمى كيف يقرأ . فالجواب : أن أحوالهم قد تختلف . وثالثها : قال أبو مسلم : المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم والأزرق شاخص لأنه لضعف بصره يكون محدقاً نحو الشيء يريد أن يتبينه وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره وهو كقوله : * ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) * ( إبراهيم : 41 ) . ورابعها : زرقاً عطاشاً هكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي قال : لأنهم من شدة