فخر الدين الرازي

256

تفسير الرازي

لو كان كذا أي أحببت ، ومعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة . والقول الأول : أولى لأن حمل المحبة على المحبوب مجاز ، ولأنا ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكان ذلك أولى ، وقال أبو مسلم : بل القول الثاني أولى لوجوه : أحدها : كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين . وثانيها : أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين . وثالثها : أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله تعالى فعله فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى . " والجواب " عن الأول : أن المراد يجعل لهم الرحمن محبة عند الملائكة والأنبياء ، وروى عنه عليه السلام : أنه حكى عن ربه عز وجل أنه قال : " إذا ذكرني عبدي المؤمن في نفسه ذكرته في نفسي . وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم وأفضل " وهذا هو " الجواب " عن الكلام الثاني لأن الكافر والفاسق ليس كذلك . " والجواب " عن الثالث : أنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم ، أما قوله تعالى : * ( فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ) * فهو كلام مستأنف بين به عظيم موقع هذه السورة لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر والرد على فرق المضلين المبطلين فبين تعالى أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به وينذر ، ولولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فأما أن القرآن يتضمن تبشير المتقين وإنذار من خرج منهم فبين ، لكنه تعالى لما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ وأبلغهم الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ويتشدد وهو معنى لداً ، ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال : * ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) * لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك وخافوا أيضاً سوء العاقبة في الآخرة فكانوا فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب ، ثم أكد تعالى في ذلك فقال : * ( هل تحس منهم من أحد ) * لأن الرسول عليه السلام إذا لم يحس منهم برؤية أو إدراك أو وجدان : * ( ولا يسمع لهم ركزاً ) * وهو الصوت الخفي ، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية ، والأقرب في قوله : * ( أهلكنا ) * أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .