فخر الدين الرازي
243
تفسير الرازي
مخالف للخطاب الأول ، ويدل عليه قوله : * ( ثم ننجي الذين اتقوا ) * أي من الواردين من اتقى ولا يجوز أن يقال : * ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ) * إلا والكل واردون والأخبار المروية دالة على هذا القول ، ثم هؤلاء اختلفوا في تفسير الورود فقال بعضهم : الورود الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها وهو موضع المحاسبة ، واحتجوا على أن الورود قد يراد به القرب بقوله تعالى : * ( فأرسلوا واردهم ) * ( يوسف : 19 ) ومعلوم أن ذلك الوارد ما دخل الماء وقال تعالى : * ( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ) * ( القصص : 23 ) وأراد به القرب . ويقال : وردت القافلة البلدة وإن لم تدخلها فعلى هذا معنى الآية أن الجن والإنس يحضرون حول جهنم : * ( كان على ربك حتماً مقضياً ) * ( مريم : 71 ) أي واجباً مفروغاً منه بحكم الوعيد ثم ننجي أي نبعد الذين اتقوا عن جهنم وهو المراد من قوله تعالى : * ( أولئك عنها مبعدون ) * ( الأنبياء : 101 ) ومما يؤكد هذا القول ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية فقالت حفصة : أليس الله يقول : * ( وإن منكم إلا واردها ) * فقال عليه السلام فمه ثم ننجي الذين اتقوا " ، ولو كان الورود عبارة عن الدخول لكان سؤال حفصة لازماً . القول الثاني : أن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) * ( الأنبياء : 98 ) وقال : * ( فأوردهم النار وبئس الورد المردود ) * ( هود : 98 ) ويدل عليه قوله تعالى : * ( أولئك عنها مبعدون ) * والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريباً فهذا إنما يحصل لو كانوا في النار ، ثم إنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى : * ( ونذر الظالمين فيها جثياً ) * وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلا بد وأن يكونوا قد دخلوا النار ، وأما الخبر فهو أن عبد الله بن رواحة قال : " أخبر الله عن الورود ولم يخبر بالصدور ، فقال عليه السلام : يا ابن رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي الذين اتقوا " ، وذلك يدل على أن ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك وعن جابر : " أنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً حتى أن للناس ضجيجاً من بردها " . والقائلون بهذا القول يقولون : المؤمنون يدخلون النار من غير خوف وضرر البتة بل مع الغبطة والسرور وذلك لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * ( الأنبياء : 103 ) ولأن الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف ، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف ، ولأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الملائكة تبشر في القبر من كان من أهل الثواب بالجنة حتى يرى مكانه في الجنة ويعلمه " . وكذلك القول في حال المعاينة فكيف يجوز أن يردوا القيامة وهم شاكون في أمرهم ، وإنما تؤثر هذه الأحوال في أهل النار لأنهم لا يعلمون كونهم من أهل النار والعقاب ، ثم اختلفوا في أنه كيف يندفع عنهم ضرر النار ، فقال بعضهم : البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه ، ويكون من المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم ، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار ، والكفار يكونون في وسط