فخر الدين الرازي

228

تفسير الرازي

فاسد غير مبني على دليل وشبهة ، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه ، أما قوله : * ( لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في الرجم ههنا قولان : الأول : أنه الرجم باللسان ، وهو الشتم والذم ، ومنه قوله : * ( والذين يرمون المحصنات ) * ( النور : 4 ) أي بالشتم ، ومنه الرجم ، أي المرمي باللعن ، قال مجاهد : الرجم في القرآن كله بمعنى الشتم . والثاني : أنه الرجم باليد ، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوهاً : أحدها : لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك . وثانيها : لأرجمنك بالحجارة لتتباعد عني . وثالثها : عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش . ورابعها : قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك في معنى الطرد والإبعاد اتساعاً ، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى : * ( واهجرني ملياً ) * واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى ، فإن قيل : أفما يدل قوله تعالى : * ( واهجرني ملياً ) * على أن المراد به الرجم بالشتم ؟ قلنا : لا ، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن يبعد هرباً من ذلك فهو في معنى قوله : * ( واهجرني ملياً ) * . المسألة الثانية : في قوله تعالى : * ( واهجرني ملياً ) * قولان : أحدهما : المراد واهجرني بالقول . والثاني : بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر . المسألة الثالثة : في قوله : * ( ملياً ) * قولان : الأول : ملياً أي مدة بعيدة مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد . والثاني : ملياً بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملي بكذا إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به . المسألة الرابعة : عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك ، أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين . أحدهما : أنه وعده التباعد منه ، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الانقياد لذلك الأمر وقوله : * ( سلام عليك ) * توادع ومتاركة كقوله تعالى : * ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) * ( القصص : 55 ) ، * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * ( الفرقان : 63 ) وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج ، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان ، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار ، ثم إنه لما ودع أباه بقوله : * ( سلام عليك ) * ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله : * ( سأستغفر لك ربي ) * واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء ، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه استغفر لأبيه وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز ، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز ، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم : * ( سلام عليك سأستغفر لك ربي ) * وقوله : * ( واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) * ( الشعراء : 86 ) وأما أن أباه كان كافراً فذاك بنص القرآن