فخر الدين الرازي
210
تفسير الرازي
المسيح أو بنفسه أو يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو في نفسه ، أو يقولوا لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول ولكن نقول إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان لهذا السبب إلهاً ، أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا : إنه على سبيل التشريف اتخذه ابناً كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلاً فهذه هي الوجوه المعقولة في هذا الباب ، والكل باطل ، أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعاً ، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد ، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً ، فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل ، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضاً لا يكون اتحاداً بل يكون قولاً بعدم ذينك الشيئين ، وحصول شيء ثالث ، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالوجود لأنه يستحيل أن يقال : المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال . وأما الحلول فلنا فيه مقامان : الأول : أن التصديق مسبوق بالتصور فلا بد من البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة : أحدها : كون الشيء في غيره ككون ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم ، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسماً وهم وافقونا على أنه ليس بجسم . وثانيها : حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول : المعقول من هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعاً لحصول محله فيه ، وهذا أيضاً إنما يعقل في حق الأجسام لا في حق الله تعالى . وثالثها : حصوله في الشيء على مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول : هذا أيضاً باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجاً فكان ممكناً فكان مفتقراً إلى المؤثر ، وذلك محال ، وإذا ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته . المقام الثاني : احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقاً بأن قالوا : لو حل لحل ، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان ، فالقول بالحلول باطل ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان ، لأنا دللنا على أن الله قديم . وعلى أن الجسم محدث ، ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجاً إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجباً لذاته ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل لأنه لما كانت ذاته واجبة الوجود لذاته وحلوله في المحل أمر جائز ، والموصوف بالوجوب غير ما هو موصوف بالجواز فيلزم أن يكون حلوله في المحل أمراً زائداً على ذاته وذلك محال لوجهين : أحدهما : أن حلوله في المحل لو كان زائداً على ذاته لكان حلول ذلك الزائد في محله زائداً على ذاته أو لزم التسلسل وهو محال . والثاني : أن حلوله في ذلك لما كان زائداً على ذاته فإذا حل في محل وجب أن يحل فيه صفة محدثة ، وذلك محال لأنه لو كان قابلاً للحوادث