فخر الدين الرازي
125
تفسير الرازي
منه شيئاً ) * أي لم تنقص والظلم النقصان ، يقول الرجل : ظلمني حقي أي نقصني . الصفة الخامسة : قوله تعالى : * ( وفجرنا خلالهما نهراً ) * أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين . وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و * ( خلالهما ) * أي وسطهما وبينهما . ومنه قوله تعالى : * ( ولأوضعوا خلالكم ) * ( التوبة : 47 ) . ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم . الصفة السادسة : قوله تعالى : * ( وكان له ثمر ) * قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة ، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة : أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب : كان أبو عمرو بن العلاء يقول : الثمر المال والولد ، وأنشد للحارث بن كلدة : ولقد رأيت معاشرا * قد أثمروا مالاً وولدا مهلاً فداء لك الأقوام كلهم * ما أثمروه أمن مال ومن ولد وقوله : * ( وكان له ثمر ) * أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر . وعن مجاهد الذهب والفضة : أي كان مع الجنتين أشياء من النقود ، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده : * ( فقال له صاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ) * والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم : حار إذا رجع ، قال تعالى : * ( إنه ظن أن لن يحور بلى ) * ( الانشقاق : 14 ، 15 ) ، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر : * ( أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ) * والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه ، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله ، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال : * ( ودخل جنته ) * وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ، فإن قيل : لم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلنا : المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحداً منهما ، ثم قال تعالى : * ( وهو ظالم لنفسه ) * وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام ، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعاً تلك النعم في غير موضعها ، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال : * ( وما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة ) * فجمع بين هذين ، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبداً مع أنها متغيرة متبدلة . فإن قيل : هب أنه شك في القيامة فكيف قال : ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية ؟ قلنا : المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده ، ثم قال : * ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً ) * أي مرجعاً وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى : * ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) * وقوله : * ( لأوتين مالاً