فخر الدين الرازي
120
تفسير الرازي
الفائدة الأولى : الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعي محال . الفائدة الثانية : أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة ثم نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست بتخيير . الفائدة الثالثة : أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين ، بل نفع الإيمان يعود عليهم ، وضرر الكفر يعود عليهم ، كما قال تعالى : * ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) ، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة ، وبذكر الوعد على الإيمان والعمل الصالح . أما الوعيد فقوله تعالى : * ( إنا اعتدنا للظالمين ناراً ) * يقول اعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين ، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه . فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام ناراً وهي الجحيم ، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين : الصفة الأولى : قوله : * ( وأحاط بهم سرادقها ) * والسرادق هو الحجزة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات ، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة بهم من كل الجوانب . وقال بعضهم : المراد من هذا السرادق الدخان الذي وصفه الله في قوله : * ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ) * ( المرسلات : 30 ) وقالوا : هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشاهم هذا الدخان ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط . والصفة الثانية : لهذه النار قوله : * ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ) * قيل في حديث مرفوع إنه دردي الزيت وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل بيت المال وأخرج نفاثة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال : هذا هو المهل ، قال أبو عبيدة والأخفش كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل ، وقيل : إنه الصديد والقيح ، وقيل إنه ضرب من القطران . ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى : * ( تصلى ناراً حامية تسقى من عين آنية ) * ( الغاشية : 4 ، 5 ) ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء . قال تعالى حكاية عنهم : * ( أن أفيضوا علينا من الماء ) * ( الأعراف : 50 ) وقال في آية أخرى : * ( سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ) * ( إبراهيم : 50 ) فإذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص وقوله تعالى : * ( يغاثوا بماء كالمهل ) * وارد على سبيل الاستهزاء كقوله : تحية بينهم ضرب وجيع ثم قال تعالى : * ( بئس الشراب ) * أي أن الماء الذي هو كالمهل بئس الشراب لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغاً عظيماً ثم قال تعالى : * ( وساءت مرتفقاً ) * قال قائلون : ساءت النار منزلاً ومجتمعاً للرفقة لأن أهل النار يجتمعون رفقاء كأهل الجنة . قال تعالى في صفة أهل الجنة : * ( وحسن أولئك رفيقاً ) * ( النساء : 69 ) وأما رفقاء النار فهم الكفار والشياطين