فخر الدين الرازي
118
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : قيل : * ( فرطاً ) * أي مجاوزاً للحد من قولهم : فرس فرط ، إذا كان متقدماً الخيل ، قال الليث : الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط ، وأنشد شعراً : لقد كلفني شططا * وأمراً خائباً فرطا أي مضيعاً ، فقوله وكان أمره فرطاً معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصاً بإيقاع التفريط والتقصير فيه ، وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه . فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر في الآيات والتحفظ بمهمات الدنيا والآخرة ، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن غير ذكر الله فقال : * ( مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) * ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو قوله : * ( أغفلنا قلبه واتبع هواه ) * ثم أمر رسوله بمجالسة أولئك والمباعدة عن هؤلاء ، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنت جالساً في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضاً من العرى وقارئ يقرأ القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع ، فقال عليه السلام : " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت إلى أن أصبر نفسي معهم " ثم جلس وسطنا وقال : " أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة " . * ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كاَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه . الأول : أنه تعالى لما أمر رسوله بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا إن طردت الفقراء آمنا بك ، قال بعده : * ( وقل الحق من ربكم ) * أي قل لهؤلاء إن هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح والحسن والخمول والشهرة . الوجه الثاني : في تقرير النظم يمكن أن يكون المراد أن الحق ما جاء من عند الله ، والحق الذي