فخر الدين الرازي
98
تفسير الرازي
وقوله : * ( زدناهم عذاباً فوق العذاب ) * فالمعنى أنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم عن الإيمان فهم في الحقيقة ازدادوا كفراً على كفر ، فلا جرم يزيدهم الله تعالى عذاباً على عذاب ، وأيضاً أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر ، فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم لقوله تعالى : * ( ليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ) * ( العنكبوت : 13 ) ولقوله عليه السلام : " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " ، ومن المفسرين من ذكر تفصيل تلك الزيادة فقال ابن عباس : المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها ثلاثة بالليل واثنان بالنهار ، وقال بعضهم زدناهم عذاباً بحيات وعقارب كأمثال البخت ، فيستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر لكل عقرب ثلاثمائة فقرة في ثلاثمائة قلة من سلم . وقيل : عقارب لها أنياب كالنخل الطوال . ثم قال تعالى : * ( بما كانوا يفسدون ) * أي هذه الزيادة من العذاب إنما حصلت معللة بذلك الصد ، وهذا يدل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال فقد عظم عذابه ، فكذلك إذا دعا إلى الدين واليقين ، فقد عظم قدره عند الله تعالى والله أعلم . قوله تعالى * ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) * اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي . واعلم أن الأمة عبارة عن الفرن والجماعة . إذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن المراد أن كل نبي شاهد على أمته . والثاني : أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بد وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيداً عليهم . أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرسول بدليل قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ( البقرة : 143 ) وثبت أيضاً أنه لا بد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد فحصل من هذا أن عصراً من الإعصار لا يخلو