فخر الدين الرازي

94

تفسير الرازي

أكثر ، ولذلك قال ( وننزل من السماء من جبال فيها من برد ) لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه . ( والوجه الثاني ) في الجواب قال المبرد : إن ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر ، قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر ، فان الانسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضا البرد ، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض ، فلما الشعور بأحدهما مستتبعا للشعور بالآخر ، كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . ( والوجه الثالث ) قال الزجاج : ما وقى من الحر وقى من البرد ، فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . فان قيل : هذا بالضد أولى ، لان دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من دون تكلف زيادة ، وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكلف زائد . قلنا : القميص الواحد لما كان دافعا للحر كان الاستكثار من القميص دافعا للبرد فصح ما ذكرناه ، وقوله ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) يعنى دروع الحديد ، ومعنى البأس الشدة ، ويريد ههنا شدة الطعن والضرب والرمي . واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال ( كذلك يتم نعمته عليكم ) أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين عليكم ( لعلكم تسلمون ) قال ابن عباس : لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية ، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الانعامات أحد سواه ، ونقل عن ابن عباس أنه قرأ ( لعلكم تسلمون ) بفتح التاء ، والمعنى : أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب ، وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله . ثم قال تعالى ( فان تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ) أي فان تولوا يا محمد وأعرضوا وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى أنفسهم جنوا ذلك وليس عليك إلا ما فعلت من التبليغ التاء ، ثم إنه تعالى دمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، وذلك نهاية في كفران النعمة . فان قيل : ما معنى ثم ؟ قلنا : الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة ، لان حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر ، وفى المراد بهذه النعمة وجوه : الأول : قال القاضي المراد بها جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم ، ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى . ولأنهم قالوا إنما حصلت هذه النعم بشفاعة