فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
البحث الأول : أن قوله : * ( وأنهار ) * معطوف على قوله : * ( وألقى في الأرض رواسي ) * والتقدير ألقى رواسي وأنهاراً . وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال : ألقى في الأرض أنهاراً كما قال : * ( وألقينا فيها رواسي ) * ( قَ : 7 ) والإلقاء معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى : * ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ) * ( فصلت : 10 ) * والإلقاء يقارب الإنوال ، لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من هذا الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى : * ( وألقيت عليك محبة مني ) * ( طه : 39 ) . البحث الثاني : أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال ، فلهذا السبب لما ذكر الله تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار . النعمة الثالثة : قوله : * ( وسبلاً لعلكم تهتدون ) * وهي أيضاً على قوله : * ( وألقى في الأرض رواسي ) * والتقدير : وألقى في الأرض سبلاً ومعناه : أنه تعالى أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية أخرى : * ( وسلك لكم فيها سبلاً ) * ( طه : 53 ) وقوله : * ( لعلكم تهتدون ) * أي لكي تهتدوا . واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال : * ( وعلامات ) * وهي أيضاً معطوفة على قوله : * ( في الأرض رواسي ) * والتقدير : وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهاراً وسبلاً وألقى فيها علامات والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدي ، وهذه العلامات هي الجبال والرياح ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق . قال الأخفش تم الكلام عند قوله : * ( وعلامات ) * وقوله : * ( وبالنجم هم يهتدون ) * كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك : كثر الدرهم في أيدي الناس . وعن السدي هو الثريا ، والفرقدان ، وبنات نعش ، والجدي ، وقرأ الحسن : * ( وبالنجم ) * بضمتين وبضمة فسكون ، وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل : حذف الواو من النجم تخفيفاً . فإن قيل : قوله : * ( أن تميد بكم ) * خطاب الحاضرين وقوله : * ( وبالنجم هم يهتدون ) * خطاب للغائبين فما السبب فيه ؟ . قلنا : إن قريشاً كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله : * ( وبالنجم هم يهتدون ) * إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه . والله أعلم . واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله : * ( وبالنجم هم يهتدون ) * مختص بالبحر ، لأنه تعالى لما