فخر الدين الرازي
81
تفسير الرازي
أكثر برداً ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا : المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تاماً في الأنوثة ، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد ذكراً في طبيعة الإناث وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور . واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف ، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك ، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم وظهر بالدليل الذي ذكرناه صحة قوله تعالى : * ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ) * . ثم قال تعالى : * ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) * قال الواحدي : أصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال : حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع ، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام ، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة ، أنه تعالى قال : * ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) * فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية . إذا عرفت هذا فنقول : قيل هم الأختان ، وقيل : هم الأصهار ، وقيل : ولد الولد ، والأولى دخول الكل فيه ، لما بينا أن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه . ثم قال تعالى : * ( ورزقكم من الطيبات ) * لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان ، ثم قال : * ( أفبالباطل يؤمنون ) * قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني بالأصنام ، وقال مقاتل : يعني بالشيطان ، وقال عطاء : يصدقون أن لي شريكاً وصاحبة وولداً : * ( وبنعمة الله هم يكفرون ) * أي بأن يضيفوها إلى غير الله ويتركوا إضافتها إلى الله تعالى . وفي الآية قول آخر وهو أنه تعالى لما قال : * ( ورزقكم من الطيبات ) * قال بعده : * ( أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ) * والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة