فخر الدين الرازي

77

تفسير الرازي

العمر ) * قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة ، ومن الصحة إلى الهرم ، ومن العقل الكامل إلى أن صار حرفاً غافلاً ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار ، وإذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن . ثم قال تعالى : * ( إن الله عليم قدير ) * وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه ، وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة ، فهذه الانفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها . أما إله العالم ومدبره وخالقه ، فهو الكامل في العلم ، الكامل في القدرة ، فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد ، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد ، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم ، فلا يمكن إسناده إلى الطبائع والله أعلم . المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون : والله خلقكم ولم تكونوا شيئاً ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ، وهو أردؤه وأضعفه . يقال : رذل الشيء يرذل رذالة وأرذلة غيره ، ومنه قوله : * ( إلا الذين هم أرذلنا * ( ( هود : 27 ) ومنه قوله : * ( واتبعك الأرذلون ) * ( الشعراء : 111 ) وقوله : * ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) * هل يتناول المسلم أو هو مختص بالكافر ؟ فيه قولان : القول الأول : أنه يتناوله ، قيل : إنه العمر الطويل ، وعلى هذا الوجه نقل عن علي عليه السلام أنه قال : أرذل العمر خمس وسبعون سنة . وقال قتادة : تسعون سنة . وقال السدي : إنه الخرف . والقول الأول أولى ؛ لأن الخرف معناه زوال العقل ، فقوله : * ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ) * يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر لأجل أن يزيل عقله ، فلو كان المراد من أرذل العمر هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية المطلوبة منه وأنه باطل . والقول الثاني : أن هذا ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى ولا يجوز أن يقال في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( التبين : 5 ، 6 ) فبين تعالى أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل سافلين . وقال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . وقوله : * ( إن الله عليم ) * قال ابن عباس : يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه * ( قدير 5 على ما يريد . المسألة الثالثة : هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار ، فهي أيضاً تدل على صحة البعث والقيامة ، وذلك لأن الإنسان كان عدماً محضاً فأوجده الله ثم أعدمه مرة ثانية ، فدل هذا على أنه لما كان معدوماً في المرة الأولى ، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزاً ، فكذلك لما