فخر الدين الرازي
64
تفسير الرازي
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي : * ( نسقيكم ) * بضم النون ، والباقون بالفتح ، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى : * ( وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ) * ( الإنسان : 21 ) وقال : * ( والذي هو يطعمني ويسقين ) * ( الشعراء : 79 ) وقال : * ( وسقوا ماء حميماً ) * ( محمد : 15 ) ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شراباً كقوله : * ( وأسقيناكم ماء فراتا ) * ( المرسلات : 27 ) وقوله : * ( فأسقيناكموه ) * ( الحجر : 22 ) والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا ، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم ، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت . المسألة الثانية : قوله : 6 مما في بطونه ) * الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوهاً : الأول : أن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا السبب قال ههنا * ( في بطونه ) * ، وقال في سورة المؤمنين : * ( في بطونها ) * ( المؤمنون : 21 ) . الثاني : قوله : * ( في بطونه ) * أي في بطون ما ذكرنا ، وهذا جواب الكسائي . قال المبرد : هذا شائع في القرآن . قال تعالى : * ( فلما رأى الشمس بارعة قال هذا ربي ) * ( الأنعام : 78 ) يعني هذا الشيء الطالع ربي . وقال : * ( كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره ) * ( المدثر : 54 ، 55 ) أي ذكر هذا الشيء . واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي ، أما الذي يكون تأنيثه حقيقياً ، فلا يجوز ، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب ، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة . الثالث : أن فيه إضماراً ، والتقدير : نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن . المسألة الثالثة : الفرث : سرجين الكرش . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً ، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو ، فذاك هو قوله تعالى : * ( من بين فرث ودم لبناً خالصاً ) * لا يشوبه الدم ولا الفرث . ولقائل أن يقول : الدم واللبن لا يتولدان البتة في الكرش ، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً ، وما رأى أحد في كرشها لا دماً ولا لبناً ، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال ، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه ، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً ، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها ، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء ، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها