فخر الدين الرازي

56

تفسير الرازي

مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحقيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها ، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية ، وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة ، ثم إنه قال ( ألا ساء ما يحكمون ) وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من النبت إلى أعظم الغايات ، فأولها : أنه يسود وجهه ، وثانيها : أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن النبت ، وثالثها : أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها ، وذلك يدل على أن النفرة عن النبت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزداد عليه . إذا ثبت هذا فالشئ الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذ 1 الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات ؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى ( ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى ) ( المسألة الثانية ) قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الجبر . لأنهم يضيفون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه ، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين ، ثم قال : بل أعظم ، لان إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد ، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى . فيقال للقاضي : إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفه الله تعالى بذكر هذا الوجه الإقناعي ، والا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى . ألا ترى أن رجلا زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن ، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فان هذا بالاتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق ، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف ، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطيعة اليقينية ، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الاقناعية . أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى ، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب ؟ والله أعلم . ثم قال تعالى ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ) والمثل السوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد ، وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار ( ولله المثل الأعلى ) أي الصفة العالية المقدسة ، وهي كونه تعالى منزها عن الولد . فان قيل : كيف جاء ( ولله المثل الأعلى ) مع قوله ( فلا تضربوا لله الأمثال ) قلنا : المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل ، والله أعلم .