فخر الدين الرازي

53

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال الشرك والتشبيه ، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها . ( فالنوع الأول ) من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعملون نصيبا وفيه مسألتان : ( المسألة الأولى ) الضمير في قوله ( لما لا يعلمون ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله ( إذا فريق منكم بربهم يشركون ) والمعنى أن المشركين لا يعلمون والثاني : أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها قال بعضهم : الأول أولى لوجوه : أحدها : أن نفى العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز . وثانيها . أن الضمير في قوله ( ويجعلون ) عائد إلى المشركين فكذلك في قوله ( لما لا يعملون ) يجب أن يكون عائد إليهم وثالثها : أن قوله ( لما لا يعلمون ) جمع بالواو والنون ، وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات ، ومنهم من قال بال القوم الثاني أولى لوجوه : الأول : أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إضمار ، فان التقدير : ويجعلون لما لا يعلمون إلها ، أولها لا يعلمون كونه نافعا ضارا ، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام ، لم نفتقر إلى الاضمار لان التقدير : ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم ، والثاني ، أنه لو كان العلم مضافا إلى المشركين لفسد المعنى ، لان من المحال أن يجعلوا نصيبا من رزقهم لما لا يعلمونه ، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر . واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الاضمار ، وذلك يحتمل وجوها : أحدها : ويجعلون لما لا يعلمون له حقا ، ولا يعلمون في طاعته نفعا ولا في الاعراض عنه ضررا ، قال مجاهد : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أن ينفعهم ويضرهم نصيبا . وثانيها : ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها . وثالثها : ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة . ورابعها : المراد استحقار الأصنام حتى كا ، ها لقلبتها لا تعلم . ( المسألة الثانية ) في تفسير ذلك النصيب احتمالات : الأول : المراد منه أنهم جعلوا لله نصيبا من الحرث والانعام يتقربون إلى الله تعالى به ، ونصيبا إلى الأصنام يتقربون به إليها ، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام . والثاني : أن المراد من هذا النصيب ، البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وهو قول الحسن . والثالث : ربما اعتقدوا في بعض الأشياء إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام ، كما أن المنجمعين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة ، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات ، وللمشتري أشياء أخرى فكذا ههنا . واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال ( تالله لتسألن ) وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة