فخر الدين الرازي

51

تفسير الرازي

( المسألة الثالثة ) النعم إما دينية ، وإما دنيوية ، أما النعم الدينية فهي أما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به ، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية ، وإما بدنية وإما خارجية وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مرار فلا نعيدها . ( المسألة الرابعة ) إنما دخلت الفاء في قوله ( فمن الله ) لان الباء في قوله ( بكم ) متصلة بفعل مضمر ، والمعنى : ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله . ثم قال تعالى ( ثم إذا مسكم الضر ) قال ابن عباس : يريد الأسقام والأمراض والحاجة ( فإليه تجأرون ) أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة ، وتتضرعون إليه بالدعاء يقال . جأر يجأر جؤارا وهو الصوت الشديد كصوت البقرة ، وقال الأعشى يصف راهبا : يراوح من صلوات المليك طورا سجودا وطورا جؤارا والمعنى : أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى : ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شئ من تلك النعم قال الله يجأر ، أي يجار ، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعمله ، بأنه لا مفزع للخلق إلا هو ، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة ، ثم قال بعده ( ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ) فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى ، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره ، وهذا جهل وضلال ، أنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته العزيزية عند نزول البلاء والضر والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد ، ولا مستغاث إلا الواحد فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد ، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى ، وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء ، فهذا جهل عظيم وضلال كاملا , ونظير هذه الآية قوله تعالى ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) ثم قال تعالى ( ليكفروا بما آتيناهم ) وفى هذه اللام وجهان : الأول : أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم ، وغرضهم من ذلك الاشراك أن ينكروا كون ذلك الانعام من الله تعالى ، الا ترى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع ، فإذا زال أحال زوال على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني ، وهذا أكثر أحوال الخلق . وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله : في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة ، وهذه عظيمة وقت الصبح