فخر الدين الرازي
48
تفسير الرازي
إذا عرفت هذا القول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول ، ولهذا المعنى فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال ، فقوله : * ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) * المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح . وثالثها : أن قوله : * ( إلهين ) * لفظ واحد يدل على أمرين : ثبوت الإله وثبوت التعدد ، فإذا قيل : لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا الفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما . فلما قال : * ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) * ثبت أن قوله : * ( لا تتخذوا إلهين ) * نهي عن إثبات التعدد فقط . ورابعها : أن الأثنينية منافية للإلهية ، وتقريره من وجوه : الأول : أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجباً لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكل واحد منهما مركب من جزأين ، وكل مركب فهو ممكن ، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود . والثاني : أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني ، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلاً ولا التفاوت أصلاً ، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني ، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية ، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال ، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما البتة . فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً . فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهاً . الثالث : أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف ، وإن لم يقدر فهو ضعيف ، والرابع : وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر ، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف . فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان . فقوله : * ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) * المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثنينية . والله أعلم . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال : * ( إنما هو إله واحد ) * والمعنى : أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله ، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال ، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد . ثم قال بعده : * ( فإياي فارهبون ) * وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور ، والتقدير : أنه لما ثبت