فخر الدين الرازي

33

تفسير الرازي

بالضرورة ، لأن لفظة : كن ، مركبة من الكاف والنون ، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف ، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة ، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديماً صفة مغايرة للفظة كن ، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا ، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به . والوجه الثالث : أن الرجل إذا قال إن فلاناً لا يقدم على قول ، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلاً لا يقول : إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه . والوجه الرابع : أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه : الوجه الأول : أن قوله تعالى : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه ) * يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة ، وما كان كذلك فهو محدث . والوجه الثاني : أنه علق القول بكلمة إذا ، ولا شك أن لفظة " إذا " تدخل للاستقبال . والوجه الثالث : أن قوله : * ( أن نقول له ) * لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال . والوجه الرابع : أن قوله : * ( كن فيكون ) * يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله : * ( كن ) * فتكون كلمة * ( كن ) * متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً . والوجه الخامس : أنه معارض بقوله تعالى : * ( وكان أمر الله مفعولاً ) * ( النساء : 47 ) ، * ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) * ( الأحزاب : 38 ) . * ( الله نزل أحسن الحديث ) * ( الزمر : 23 ) . * ( فليأتوا بحديث مثله ) * ( الطيور : 34 ) ، * ( ومن قبله كتاب موسى وإماماً ورحمة ) * ( الأحقاف : 12 ) . فإن قيل : فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام ، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه ؟ . قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثاً مخلوقاً . والله أعلم . قوله تعالى * ( وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة وَلاََجْرُ الاَْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) *