فخر الدين الرازي
31
تفسير الرازي
الأول : أن محمداً كان داعياً إلى تقرير القول بالمعاد ، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولاً صادقاً . الثاني : أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب ، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) * معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدماً محضاً ونفياً صرفاً ، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر غيره . وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل : * ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) * على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري ، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح ، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر . ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان : الوجه الأول : أنه وعد حق على الله تعالى ، فوجب تحقيقه ، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعداً حقاً على الله تعالى ، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي ، وبين المحقق والمبطل ، وبين الظالم والمظلوم ، وهو قوله : * ( ليبين لهم الذين يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) * وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس . والوجه الثاني : في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجداً للأشياء ومكوناً لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشيئته ، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * وإذا كان كذلك ، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الابتداء وجب أن يكون قادراً عليه في الإعادة ، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق ، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل ، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضاً طعنهم في النبوة . والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : * ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) * حكاية عن الذين أشركوا ، وقوله : * ( بلى ) * إثبات لما بعد النفي ، أي بلى يبعثهم ، وقوله : * ( وعداً عليه حقاً ) * مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعداً حقاً لا خلف فيه ، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث ، وقوله : * ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه ) * من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه . ثم قال تعالى : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون ) * وفيه مسائل :