فخر الدين الرازي

234

تفسير الرازي

أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى القُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) * اعلم تعالى أنه لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : * ( لولا يأتينا بآية ) * ( طه : 133 ) * ( كما أرسل الأولون ) * ( الأنبياء : 5 ) وقال آخرون : المراد ما طلبوه بقولهم : * ( لن نؤمن ذلك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ) * ( الإسراء : 90 ) وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا : إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشئ من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : * ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) * وفي تفسير هذا الجواب وجوه : الوجه الأول : المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا أريد ذلك بل تتأنى بهم " فنزلت هذه الآية . الوجه الثاني : في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضاً . الوجه الثالث : أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله منكم أيضاً أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثاً ، والعبث لا يفعله الحكيم . ثم قال تعالى : 6 وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : * ( مبصرة ) * وفيه وجهان : الأول : قال الفراء : * ( مبصرة ) * أي مضيئة . قال تعالى : * ( والنهار مبصراً ) * ( يونس : 67 ) أي مضيئاً . والثاني : * ( مبصرة ) * أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول .