فخر الدين الرازي

223

تفسير الرازي

الألطاف الداعية لهم إلى الإيمان صح أن يقال : إنه فعل الحجاب السائر . واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها ، فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى : * ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) * واعلم أن المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين ، لأنهم إذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا يفهمون منه شيئاً ، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله ولوا نفوراً وتركوا ذلك المجلس ، وذكر الزجاج في قوله : * ( ولوا على أدبارهم نفورا ) * وجهين : الأول : المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا ، والثاني : أن يكون نفوراً جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد . ثم قال تعالى : * ( نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك ) * أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب . و * ( به ) * في موضع الحال ، كما تقول : مستمعين بالهزؤ و * ( إذ يستمعون ) * نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون * ( وإذا هم نجوى ) * أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى : * ( إذ يقول الظالمون ) * بدل من قوله : * ( وإذ هم نجوى . . . إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً ) * وفيه مباحث : الأول : قال المفسرون : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يتخذ طعاماً ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ، ففعل علي عليه السلام ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال : قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك ، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون : بينهم متناجين هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول ، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون : * ( إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً ) * . فإن قيل : إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا : * ( إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً ) * . قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلاً مسحوراً ، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء . هذا هو القول الصحيح ، وقال بعضهم : المسحور هو الذي أفسد . يقال : طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها . قال أبو عبيدة : يريد بشراً ذا سحر أي ذارئة . قال ابن قتيبة : ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ، وقال مجاهد : * ( مسحوراً ) * أي مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون : إن محمداً يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات