فخر الدين الرازي
217
تفسير الرازي
أما قوله تعالى : * ( قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسيره وجهان : الوجه الأول : أن المراد من قوله : * ( إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ) * هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى لغلب بعضهم بعضاً ، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع وقد شرحناه في سورة الأنبياء في تفسير قوله : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) فلا فائدة في الإعادة . الوجه الثاني : أن الكفار كانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فقال الله لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها أيضاً قربة إلى الله تعالى وسبيلاً إليه ولطلبت لأنفسها المراتب العالية ، والدرجات الشريفة من الأحوال الرفيعة ، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير كما يقولون وعما يقولون ويسبح بالياء في هذه الثلاثة ، والمعنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه فهو مثل قوله : * ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ) * ( آل عمران : 12 ) وقرأ حمزة والكسائي كلها بالتاء ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في الأول بالتاء على الخطاب ، وفي الثاني والثالث بالياء على الحكاية ، وقرأ حفص عن عاصم الأولين بالياء ، والأخير بالتاء ، وقرأ أبو عمرو الأول والأخير بالتاء والأوسط بالياء . ثم قال تعالى : * ( سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لما أقام الدليل القاطع على كونه منزهاً عن الشركاء . وعلى أن القول بإثبات الآلهة قول باطل ، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال : * ( سبحانه ) * وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به ، ثم قال : * ( وتعالى ) * والمراد من هذا التعالي الارتفاع وهو العلو ، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في المكان والجهة ، لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة ، فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة . المسألة الثانية : جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى : * ( علواً كبيراً ) * وكان يجب أن يقال تعالى تعالياً كبيراً إلا أن نظيره قوله تعالى : * ( والله أنبتكم من الأرض نباتاً ) * ( نوح : 17 ) . فإن قيل : ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير ؟ قلنا : لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها ، لأن المنافاة بين الواجب