فخر الدين الرازي

211

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( وَلاَ تَمْشِ فِى الاَْرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الاَْرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ) * اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات وفيه مسائل : المسألة الأولى : المرح شدة الفرح يقال : مرح يمرح مرحاً فهو مرح ، والمراد من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشياً يدل على الكبرياء والعظمة . قال الزجاج : لا تمش في الأرض مختالاً فخوراً ونظيره قوله تعالى في سورة الفرقان : * ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) * ( الفرقان : 63 ) وقال في سورة لقمان : * ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) * ( لقمان : 19 ) وقال أيضاً فيها : * ( ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ) * ( لقمان : 18 ) . المسألة الثانية ؛ قال الأخفش : ولو قرى : * ( مرحاً ) * بالكسر كان أحسن في القراءة . قال الزجاج : مرحاً مصدر ومرحاً اسم الفاعل وكلاهما جائز ، إلا أن المصدر أحسن ههنا وأوكد ، تقول جاء زيد ركضاً وراكضاً فركضاً أوكد لأنه يدل على توكيد الفعل ، ثم إنه تعالى أكد النهي عن الخيلاء والتكبر فقال : * ( إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً ) * والمراد من الخرق ههنا نقب الأرض ، ثم ذكروا فيه وجوهاً : الأول : أن المشي إنما يتم بالارتفاع والانخفاض فكأنه قيل : إنك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها ، وحال الارتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رؤوس الجبال ، والمراد التنبيه على كونه ضعيفاً عاجزاً فلا يليق به التكبر . الثاني : المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها . وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول إليها فأنت محاط بك من فوقك وتحتك بنوعين من الجماد ، وأنت أضعف منهما بكثير ، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر فكأنه قيل له : تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي : ثم قال تعالى : * ( كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الأكثرون قرؤا سيئه بضم الهاء والهمزة وقرى نافع وابن كثير وأبو عمرو سيئه منصوبة أما وجه قراءة الأكثرين فظاهر من وجهين :