فخر الدين الرازي

191

تفسير الرازي

وذكر القفال رحمه الله في تقريره وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية ، فكأنه قال للولد : اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك . والثاني : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه . فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه . فإن قيل : كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له ؟ قلنا : فيه وجهان : الأول : أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال : حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك ههنا المراد ، واخفض لهما جناحك الذليل ، أي المذلول . والثاني : أن مدار الاستعارة على الخيالات فههنا تخيل للذل جناحاً وأثبت لذلك الجناح ضعفاً تكميلاً لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد : إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فأثبت للشمال يداً ووضع زمامها في يد الشمال فكذا ههنا وقوله : * ( من الرحمة ) * معناه : ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما . والنوع الخامس : قوله : * ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) * وفيه مباحث : البحث الأول : قال القفال رحمه الله تعالى : إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول : * ( رب ارحمهما ) * ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا . ثم يقول : * ( كما ربياني صغيراً ) * يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي ، والتربية هي التنمية ، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفع ، ومنه قوله تعالى : * ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) * ( فصلت : 39 ) . البحث الثاني : اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنها منسوخة بقوله تعالى : * ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) * ( التوبة : 113 ) فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول : رب ارحمهما . والقول الثاني : أن هذه الآية غير منسوخة ، ولكنها مخصوصة في حق المشركين ، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ . والقول الثالث : أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان .