فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع . وقيل فرسخان ، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء . والقول الثاني : وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين . أما قوله تعالى : * ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الإتيان والحركة على الله محال ، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس . المسألة الثانية : في قوله : * ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) * قولان : القول الأول : أن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم . ونظيره قولهم : من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه . والقول الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته ، والأول أقرب إلى المعنى . أما قوله تعالى : * ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) * ففيه سؤال : وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم ، فما معنى هذا الكلام . وجوابه من وجهين : الأول : أن يكون المقصود بالتأكيد . والثاني : ربما خر السقف ، ولا يكون تحته أحد ، فلما قال : * ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) * دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته ، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها . وقوله : * ( وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) * إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر . والمعنى : أنهم اعتمدوا على منصوباتهم . ثم تولد البلاء منها بأعيانها ، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة ، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم ، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذا القدر ، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة ، والخزي هو العذاب مع الهوان ، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم : * ( أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الزجاج : قوله : * ( أين شركائي ) * معناه : أين شركائي في زعمكم واعتقادكم . ونظيره قوله تعالى : * ( أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون ) * ( الأنعام : 22 ) وقال أيضاً : * ( وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا