فخر الدين الرازي

177

تفسير الرازي

ازدادت أمراضه شدة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة ، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت ، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك فكذا ههنا . واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية ، لا شك أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليماً عن الطعن والله أعلم . المسألة الثالثة : المشهور عند القراء السبعة : * ( أمرنا مترفيها ) * بالتخفيف غير ممدودة الألف ، وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس : * ( آمرنا ) * بالمد ، وعن أبي عمرو * ( أمرنا ) * بالتشديد فالمد على الكثير يقال : أمر القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد ، أي كثرهم الله . والتشديد على التسليط ، أي سلطنا مترفيها ، ومعناه التخلية وزوال المنع بالقهر والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ) * فاعلم أن المراد أن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح . وهم عاد وثمود وغيرهم ، ثم إنه تعالى خاطب رسوله بما يكون خطاباً لغيره وردعاً وزجراً للكل فقال : * ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً ) * وفيه بحثان : البحث الأول : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات فلا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق ، وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادراً على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه . وأيضاً أنه منزه عن العبث والظلم . ومجموع هذه الصفات الثلاث أعني العلم التام ، والقدرة الكاملة ، والبراءة عن الظلم بشارة عظيمة لأهل الطاعة . وخوف عظيم لأهل الكفر والمعصية . البحث الثاني : قال الفراء : لو ألغيت الباء من قولك بربك جاز ، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم . كقولك : كفاك به . وأكرم به رجلاً . وطاب بطعامك طعاماً . وجاد بثوبك ثوباً ، أما إذا لم يكن مدحاً أو ذماً لم يجز دخولها ، فلا يجوز أن يقال : قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك والله أعلم . قوله تعالى * ( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا