فخر الدين الرازي

173

تفسير الرازي

أحدها : أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة ، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب ؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة . وإن وجب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي ، وإن وجب بالشرع فهو باطل ، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره ، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول : الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي ، وهذا إثبات للشيء بنفسه ، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول : ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان . وثانيها : أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال ، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم ، إلا أن يقول : لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول : إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب ، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب البتة ، وهذا باطل فذاك باطل ، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع ، فإن وجب بالعقل فهو المقصود ، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه ، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال . وثالثها : أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب ، فلم يبق إلا أن يقال : إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب ، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل ، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف ، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل ، فلزم أن يقال : الوجوب حاصل بمحض العقل . فإن قالوا : ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم ؟ قلنا : إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم ، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل ، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه . وإذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن نجري الآية على ظاهرها . ونقول : العقل هو رسول الله إلى الخلق ، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء ، فالعقل هو الرسول الأصلي ، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل . والثاني : أن نخصص عموم الآية فنقول : المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل ، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة ، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي ، والله أعلم .