فخر الدين الرازي
159
تفسير الرازي
قسطنطين الملك ، والله أعلم بأحوالهم ، ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام . المسألة الثانية : جواب قوله : * ( فإذا جاء ) * محذوف تقديره : فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسؤوا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله : * ( بعثنا عليكم عباداً لنا ) * ( الإسراء : 5 ) ثم قال : * ( ليسؤوا وجوهكم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : ساءه يسوءه أي أحزنه ، وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه . وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن . المسألة الثانية : قرأ العامة : ليسؤوا على صيغة المغايبة ، قال الواحدي : وهي موافقة للمعنى وللفظ . أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسؤونهم في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله : * ( وليدخلوا المسجد ) * وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة : * ( ليسوء ) * على إسناد الفعل إلى الواحد ، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة : إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله : ثم ردنا وأمددنا ، وكل ذلك ضمير عائد إلى الله تعالى ، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله : * ( بعثنا ) * والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى : * ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم ) * ( آل عمران : 18 ) وقال الزجاج : ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله : بعثنا عليكم وأمددنا . ثم قال تعالى : * ( وليتبروا ما علوا تتبيرا ) * يقال : تبر الشيء تبراً إذا هلك وتبره أهلكه . قال الزجاج : كل شيء جعلته مكسراً ومفتتاً فقد تبرته ، ومنه قيل : تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى : * ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ) * ( الأعراف : 139 ) وقوله : * ( ولا تزد الظالمين إلا تباراً ) * ( نوح : 28 ) وقوله : * ( ما علوا ) * يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به ، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين ، أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل ، وقوله : * ( تتبيراً ) * ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله : * ( وكلم الله موسى تكليماً ) * ( النساء : 164 ) أي حقاً ، والمعنى : وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه . ثم قال تعالى : * ( عسى ربكم أن يرحمكم ) * والمعنى : لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل .