فخر الدين الرازي

151

تفسير الرازي

فإن قالوا : أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته ، وهذا محال . قلنا : نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء الواحد يأخذ بآله اليد ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات ، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد . إذا ثبت هذا فنقول : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ) * المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقرير فلم يبقى في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد . فإن قالوا : فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ) * . قلنا : هذا أيضاً بعيد ، لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره البتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقاً به ، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معاً . والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلى ) * ( العلق : 9 ، 10 ) ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضاً في سورة الجن : * ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً ) * ( الجن : 19 ) والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا ، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السماوات ، واحتج المنكرون له بوجوه : أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة : أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة . وثانيها : أن صعود الجرم الثقيل إلى السماوات غير معقول . وثالثها : أن صعوده إلى السماوات يوجب انحراق الأفلاك ، وذلك محال . والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثاً ، وذلك لا يليق بالحكيم . والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : * ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) * ( الإسراء : 60 ) وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما كان فتنة للناس ؟ لأن كثيراً ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر