فخر الدين الرازي

146

تفسير الرازي

تعالى : * ( إن لك في النهار سبحاً ) * ( المزمل : 7 ) أي تباعداً فمعنى : سبح الله تعالى ، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد ، وقد جاء في لفظ التسبيح معان أخرى : أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى : * ( فلولا أنه كان من المسبحين ) * ( الصفات : 143 ) أي من المصلين ، والسبحة الصلاة النافلة ، وإنما قيل للمصلي مسبح ، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي . وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى : * ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ) * ( القلم : 28 ) أي تستثنون وتأويله أيضاً يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته . وثالثها : جاء في الحديث : " لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء " قيل معناه نور وجهه ، وقيل : سبحات وجهه ، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان الله ، وقوله : * ( أسرى ) * قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله : * ( بعبده ) * أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في العارج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال : " رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية " فأنزل الله فيه : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ) * وقوله : * ( ليلاً ) * نصب على الظرف . فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلنا : أراد بقوله : * ( ليلاً ) * بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب " الكشاف " عن أنس والحسن أنه كان ذلك قبل البعثة . وقوله : * ( من المسجد الحرام ) * اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق " وقيل أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين وقوله : * ( إلى المسجد الأقصى ) * اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله : * ( الذي باركنا حوله ) * قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة . واعلم أن كلمة * ( إلى ) * لانتهاء الغاية فمدلول قوله : * ( إلى المسجد الأقصى ) * أنه وصل إلى حد ذلك