فخر الدين الرازي

143

تفسير الرازي

البحث الثالث : هذا من كلام المقلوب ، لأن الضيق صفة ، والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصف حاصلاً في الصفة ، فكان المعنى فلا يكون الضيق فيك ، إلا أن الفائدة في قوله : * ( ولا تك في ضيق ) * هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشئ المحيط بالأسنان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به ، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم . المرتبة الرابعة : قوله : * ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) * وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على سبيل الرمز ، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله : * ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) * وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصبر على سبيل الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال : * ( إن الله مع الذين اتقوا ) * عن استيفاء الزيادة : * ( والذين هم محسنون ) * في ترك أصل الانتقام ، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين . ومن وقف على هذا التريب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة ، ولما قال الله لرسوله : * ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) * ذكر هذه المراتب الأربعة ، تنبيهاً على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه ، وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له . المسألة الثالثة : قوله : * ( إن الله مع الذين اتقوا ) * معيته بالرحمة والفضل والرتبة ، وقوله : * ( الذين اتقوا ) * إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى ، وقوله : * ( والذين هم محسنون ) * إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، وذلك يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، وعبر عنه بعض المشايخ فقال : كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق ، وقال الحكماء : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وعن هرم بن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي ، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل . المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن قوله تعالى : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) * منسوخ بآية السيف ، وهذا في غاية البعد ، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى ، وترك التعدي وطلب الزيادة ، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف ، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ ، ولا أرى فيه فائدة والله أعلم بالصواب .