فخر الدين الرازي
138
تفسير الرازي
قلنا : يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم ، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه ، والله أعلم . والقول الثاني : في اختلافهم في السبت ، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة ، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة . ثم قال تعالى : * ( وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) * والمعنى : أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقين بالثواب وللمبطلين بالعقاب . قوله تعالى * ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) * . اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم باتباع إبراهيم عليه السلام ، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه ، فقال : * ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ) * . واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن ، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال : * ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) * ( العنكبوت : 46 ) ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض ، وجب أن تكون طرقاً متغايرة متباينة ، وما رأيت للمفسرين فيه كلاماً ملخصاً مضبوطاً . واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة ، والمقصود من ذكر الحجة ، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين ، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه . أما القسم الأول : فينقسم أيضاً إلى قسمين : لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض ، وإما أن لا تكون كذلك ، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل ، فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة . أولها : الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية ، وذلك هو المسمى بالحكمة ، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، وهي التي قال الله في صفتها : * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) * ( البقرة : 269 ) . وثانيها : الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية