فخر الدين الرازي
132
تفسير الرازي
فإن قالوا : حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار ، لأن قوله تعالى : * ( لتفتروا على الله الكذب ) * عين ذلك . والجواب : أن قوله : * ( لما تصف ألسنتكم الكذب ) * ليس فيه بيان كذب على الله تعالى فأعاد قوله : * ( لتفتروا على الله الكذب ) * ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة . وهو أنه تعالى يذكر كلاماً ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة . الثاني : أن تكون ( ما ) موصولة ، والتقدير ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه لكونه معلوماً . المسألة الثالثة : قوله تعال : * ( تصف ألسنتكم الكذب ) * من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته ، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذباً ، ونظيره قول أبي العلاء المعري : سرى برق المعرة بعد وهن * فبات برامة يصف الكلالا والمعنى : أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا ههنا ، والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( لتفتروا على الله الكذب ) * المعنى : أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى ويقولون : إنه أمرنا بذلك . وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض ، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضاً لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى : * ( ليكون لهم عدواً وحزناً ) * ( القصص : 8 ) قال الواحدي : وقوله : * ( لتفتروا على الله الكذب ) * بدل من قوله : * ( لما تصف ألسنتكم الكذب ) * لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على الله تعالى ، ثم أوعد المفترين ، وقال : * ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) * ثم بيّن أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم من قريب ، فقال : * ( متاع قليل ) * قال الزجاج : المعنى متاعهم متاع قليل ، وقال ابن عباس : بل متاع كل الدنيا متاع قليل ، ثم يردون إلى عذاب أليم ، وهو قوله : * ( ولهم عذاب أليم ) * . قوله تعالى * ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام ، أتبعه ببيان ما خص اليهود به من المحرمات