فخر الدين الرازي

130

تفسير الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال : * ( ولقد جاءهم ) * يعني أهل مكة * ( رسول منهم ) * يعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه * ( فكذبوه فأخذهم العذاب ) * قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الجوع الذي كان بمكة . وقيل : القتل يوم بدر ، وأقول قول ابن عباس أولى لأنه تعالى قال بعده : * ( فكلوا مما رزقكم الله إن كنتم إياه تعبدون ) * يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا ، فلهذا السبب قال : * ( فكلوا مما رزقكم الله ) * قال ابن عباس رضي الله عنهما : فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم الله يريد من الغنائم . وقال الكلبي : إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان . وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في حمل الطعام إليهم فحمل إليهم العظام فقال الله تعالى : * ( فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً ) * والقول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ويدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : * ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ) * ( النحل : 115 ) الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم . قوله تعالى * ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . اعلم أن هذه الآية إلى آخرها مذكورة في سورة البقرة مفسرة هناك ولا فائدة في الإعادة وأقول : إنه تعالى حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة في هذه السورة لأن لفظة : * ( إنما ) * تفيد الحصر وحصرها أيضاً في هذه الأربعة في سورة الأنعام في قوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم ) * ( الأنعام : 145 ) وهاتان السورتان مكيتان ، وحصرها أيضاً في هذه الأربعة في سورة البقرة لأن هذه الآية بهذه اللفظة وردت في سورة البقرة وحصرها أيضاً في سورة المائدة فإنه تعالى قال في أول هذه السورة : * ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) * ( المائدة : 1 ) فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم . وأجمعوا على أن المراد بقوله : * ( عليكم ) * هو قوله تعالى في تلك السورة : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ) * ( المائدة : 3 ) فذكر تلك الأربعة المذكورة في تلك السور الثلاثة ثم قال : * ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ) * ( المائدة : 3 ) وهذه الأشياء داخلة في الميتة ، ثم قال : * ( وما ذبح على النصب ) * وهو أحد الأقسام الداخلة تحت قوله : * ( وما أهل به لغير الله ) * فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على