فخر الدين الرازي
128
تفسير الرازي
له ، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها ، كما يقال : طيب وحار وبارد . والصفة الثانية : قوله : * ( مطمئنة ) * قال الواحدي : معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . أقول : إن كان المراد من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف ، فهذا هو معنى كونها آمنة ، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق ، فهذا هو معنى قوله : * ( يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ) * وعلى كلا التقديرين فإنه يلزم التكرار . والجواب : أن العقلاء قالوا : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية قوله : * ( آمنة ) * إشارة إلى الأمن ، وقوله : * ( مطمئنة ) * إشارة إلى الصحة ، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائماً لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه ، وقوله : * ( يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ) * إشارة إلى الكفاية . قال المفسرون وقوله : * ( من كل مكان ) * السبب فيه إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله : * ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ) * ( إبراهيم : 37 ) ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال : * ( فكفرت بأنعم الله ) * الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة أقول ههنا سؤال : وهو أن الأنعم جمع قلة ، فكان المعنى : أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله ، وكان اللائق أن يقال : إنهم كفروا بنعم عظيمة لله فاستوجبوا العذاب ، فما السبب في ذكر جمع القلة ؟ . والجواب : المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب ، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاد . قال المفسرون : عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد ، أما الخوف فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي : لا باس ولا لباس يا أيها النسناس ، هب أنك تشك أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية ، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال : فكساهم الله لباس الجوع ، أو يقال : فأذاقهم الله طعم الجوع . وأقول جوابه من وجوه : الوجه الأول : أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان . أحدهما : أن المذوق هو