فخر الدين الرازي

123

تفسير الرازي

المرتبة الثانية : أن يصير ذلك الفعل مباحاً ولا يصير واجباً ، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه . المرتبة الثالثة : أن لا يجب ولا يباح بل يحرم ، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية ، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا ؟ قال الشافعي رحمه الله : في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان . الأول : أنه قتله عمداً عدواناً فيجب عليه القصاص لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) * ( البقرة : 178 ) . والثاني : أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل ، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه ، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدراً كان أولى والله أعلم . المسألة الثامنة : من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل : وهو الزنا . لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة ، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه . المسألة التاسعة : قال الشافعي رحمه الله : طلاق المكره لا يقع ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يقع ، وحجة الشافعي رحمه الله : قوله : * ( لا إكراه في الدين ) * ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ، والمعنى : أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وأيضاً قوله عليه السلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وأيضاً قوله عليه السلام : " لا طلاق في إغلاق " أي إكراه فإن قالوا : طلقها فتدخل تحت قوله : * ( فإن طلقها فلا تحل له ) * ( البقرة : 230 ) فالجواب لما تعارضت الدلائل ، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا والله أعلم . المسألة العاشرة : قوله : * ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) * يدل على أنه محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد ، وإما كلام النفس ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( ولكن من شرح بالكفر صدراً ) * أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدراً على أنه مفعول لشرح ، والتقدير : ولكن من شرح بالكفر صدره ، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة . ثم قال : * ( فعليهم غضب من الله ) * والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال : * ( ولهم عذاب عظيم ) * .