فخر الدين الرازي

112

تفسير الرازي

السؤال الأول : لفظة " من " في قوله : * ( من عمل صالحاً ) * تفيد العموم فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى ؟ . والجواب : أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتاً للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص . السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الأيمان مغاير للعمل الصالح ؟ . والجواب : نعم لأنه تعالى جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح موجباً للثواب . وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء . السؤال الثالث : ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر بشرط الإيمان ، فظاهر قوله : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) * يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو كان مع عدمه . والجواب : أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان ، أما إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على الإيمان . السؤال الرابع : هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة . والجواب فيه ثلاثة أقوال : القول الأول : قال القاضي : الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله : * ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) * ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة . ولقائل أن يقول : لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في الآخرة ، ثم إنه مع ذلك وعدهم الله على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم فهذا لا امتناع فيه . فإن قيل : بتقدير أن تكون هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في الدنيا فما هي ؟ . والجواب : ذكروا فيه وجوهاً قيل : هو الرزق الحلال الطيب . وقيل : عبادة الله مع أكل الحلال ، وقيل : القناعة ، وقيل : رزق يوم بيوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : " قنعني بما رزقني " وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو : " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً " قال الواحدي وقول من يقول : إن القناعة حسن مختار لأنه لا يطيب عيش أحد في الدنيا إلا عيش القانع وأما الحريص فإنه يكون أبداً في الكد والعناء . واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه : الأول : أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى ، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضياً