فخر الدين الرازي
78
تفسير الرازي
والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله : * ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) * أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين : * ( وإذا أظلم عليهم قاموا ) * أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذٍ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه . وبقي على الآية أسئلة وأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه : أحدها : لأن " أو " في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك . كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى : * ( ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ) * ( الإنسان : 24 ) أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذا قوله : * ( أو كصيب ) * معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك . وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار ، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى : * ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ) * ( البقرة : 135 ) وقوله : * ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون ) * ( الأعراف : 4 ) وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى : * ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) * ( الصافات : 147 ) ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى : * ( أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ) * ( النور : 61 ) وقال الشاعر : وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها وهذه الوجوه مطردة في قوله : * ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) * ( البقرة : 74 ) السؤال الثالث : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحد من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر