فخر الدين الرازي
70
تفسير الرازي
وفيه أسئلة . الأول : كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزئ وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على الله محال ، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله : * ( قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) * ( البقرة : 67 ) والجهل على الله محال والجواب : ذكروا في التأويل خمسة أوجه : أحدها : أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 194 ) * ( يخادعون الله وهو خادعهم ) * ( النساء : 144 ) * ( ومكروا ومكر الله ) * ( آل عمران : 54 ) وقال عليه السلام : " اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، اللهم والعنه عدد ما هجاني " أي أجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام : " تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا " وثانيها : أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن الله استهزأ بهم . وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب . ورابعها : إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمراً مع أن الحاصل منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . وخامسها : أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة ، والكافرون النار فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى : * ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ) * إلى قوله : * ( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ) * ( المطففين : 34 ) فهذا هو الاستهزاء بهم . السؤال الثاني : كيف ابتدأ قوله : * ( الله يستهزئ بهم ) * ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ الجواب : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضاً أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله . السؤال الثالث : هل قيل : إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله : * ( إنما نحن مستهزئون ) * الجواب . لأن " يستهزئ " يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت ، وهذا كانت نكايات الله فيهم : * ( أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ) * ( التوبة : 126 ) وأيضاً فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية * ( يحذر