فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

الناس في الحقيقة ، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي . المسألة الثالثة : القائل : * ( آمنوا كما آمن الناس ) * إما الرسول ، أو المؤمنون ، ثم كان بعضهم يقول لبعض : أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى : * ( ألا إنهم هم السفهاء ) * . المسألة الرابعة : السفه الخفة يقال : سفهت الريح الشيء إذا حركته ، قال ذو الرمة : فجرين كما اهتزت رياح تسفهت * أعاليها مر الرياح الرواسم وقال أبو تمام الطائي : فسفيه الرمح جاهله إذا ما * بدا فضل السفيه على الحليم أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه ، وإنما قيل لبذئ اللسان سفيه ؛ لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى : * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ) * ( النساء : 5 ) وقال عليه السلام : " شارب الخمر سفيه " لقلة عقله وإنما سمي المنافقون المسلمين بالسفهاء ؛ لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة ، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء ، وكان عند المنافقين أن دين محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، والباطل لا يقبله إلا السفيه ؛ فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى قلب عليهم هذا اللقب - وقوله الحق - لوجوه : أحدها : أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه . وثانيها : أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه . وثالثها : أن من عادى محمداً عليه الصلاة والسلام فقد عادى الله ، وذلك هو السفيه . المسألة الخامسة : إنما قال في آخر هذه الآية : * ( لا يعلمون ) * وفيما قبلها : * ( لا يشعرون ) * لوجهين : الأول : أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري ، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس . الثاني : أنه ذكر السفه وهو جهل ، فكان ذكر العلم أحسن طباقاً له والله أعلم . * ( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * . هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة ، يقال : لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه ، وقرأ أبو حنيفة : " وإذا لاقوا " أما قوله : * ( قالوا آمنا ) * فالمراد أخلصنا بالقلب ، والدليل عليه وجهان :