فخر الدين الرازي

63

تفسير الرازي

الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى . الثاني : أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع ، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم . المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه : الأول : أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا . الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار . الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " . الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم ، فإن قيل : فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم ، فلم لم يفعل ذلك هتكاً لسترهم ؟ قلنا : إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو . فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح ؟ قلنا قال صاحب " الكشاف " وجهه أن يقال : عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت ، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ، لزيادة قوة الداعي إليه ، ويعضده قراءة أبي حياة " يخدعون الله " ثم قال : * ( يخادعون ) * بياناً ليقول ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ولِمَ يدَّعون الإيمان كاذبين . وما نفعهم فيه ؟ فقيل * ( يخادعون ) * . المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر " وما يخادعون " والباقون " يخدعون " وحجة الأولين : مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقاً للفظ الأول ، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين ، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعاً لنفسه ، ثم ذكروا في قوله : * ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) * وجهين : الأول : أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن . والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين ، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا ، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم ، وهو كقوله : * ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) * ( النساء : 142 ) وقوله : * ( إنما نحن مستهزءون ، الله يستهزئ بهم ) * ( البقرة : 14 ، 15 ) * ( أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ) * ( البقرة : 13 ) * ( ومكروا مكراً ومكرنا مكراً ) * ( النحل : 50 ) * ( إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً ) * ( الطارق : 15 ، 16 ) * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) * ( المائدة : 33 ) * ( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) * ( الأحزاب : 57 ) وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث . أحدها : قرىء " وما يخادعون " من أخدع و " يخدعون " بفتح الياء بمعنى يختدعون " ويخدعون " و " يخادعون " على لفظ ما لم يسم فاعله . وثانيها : النفس ذات الشيء وحقيقته ، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى : * ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) * ( المائدة : 116 ) والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع