فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

عمله قبيحاً . القسم الثاني : القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث : القلب الخالي مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة ، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب ، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو ، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره ، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله : * ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ) * المراد منه المنافقون والله أعلم . المسألة الثانية : اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق ؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح ، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان ، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان . وقال آخرون بل المنافق أيضاً كاذب باللسان ، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه ، ولذلك قال تعالى : * ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) * ( الحجرات : 14 ) وقال : * ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) * ( المنافقون : 1 ) ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة . أحدها : أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك . وثانيها : أن الكافر على طبع الرجال ، والمنافق على طبع الخنوثة . وثالثها : أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق ، والمنافق رضي بذلك . ورابعها : أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي ، ولأجل غلظ كفره قال تعالى : * ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) * ( النساء : 145 ) . وخامسها : قال مجاهد : إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات ، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية ، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرماً . وهذا بعيد ، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم ، فإن عظم فلغير ذلك ، وهو ضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء ، وطلب الغوائل إلى غير ذلك ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار ، وذلك يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار . المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أمرين : الأول : أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً ، لقوله : * ( وما هم بمؤمنين ) * وقالت الكرامية : إنه يكون مؤمناً الثاني : أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله ، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً ، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لا بدّ وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان ، فبطل قول من قال من المتكلمين : أن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً . المسألة الرابعة : ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوهاً : أحدها : يروى عن ابن عباس