فخر الدين الرازي

41

تفسير الرازي

" ومشنوء من يشنؤك " أما الكوفيون فأنهم لا يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين : الأول : المبتدأ ذات ، والخبر صفة ، والذات قبل الصفة بالاستحقاق ، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياساً على توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية . الثاني : أن الخبر لا بدّ وأن يتضمن الضمير ، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر ، وأنه غير جائز ، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أم معلوم ، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه ، فكان الإضمار قبل الذكر محالاً ، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى ، لا أن يكون واجباً وعن الثاني : أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب ، كقولهم : " في بيته يؤتى الحكم " قال تعالى : * ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) * ( طه : 67 ) وقال زهير : فمن يلق يوماً على علاته هرما * يلق السماحة منه والندى خلقا والله أعلم . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه ، لأن من قال : خرج ضرب لم يكن آتياً بكلام منتظم ، ومنهم من قدح فيه بوجوه : أحدها : أن قوله : * ( أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) * فعل وقد أخبر عنه بقوله : * ( سواء عليهم ) * ونظيره قوله : * ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) * ( يوسف : 35 ) فاعل " بدا " هو " ليسجننه " وثانيها : أن المخبر عنه بأنه فعل لا بدّ وأن يكون فعلاً ، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل : المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة ، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا : المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل إسماً كان هذا الخبر كذباً ، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون ، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً ، لأن الاسم لا يكون فعلاً ، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه وثالثها : أنا إذا قلنا : الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه ، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه ، وهذا خطأ وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه ثم قال هؤلاء : لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر . أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل ، فلا جرم كان التقدير : سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك ، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لا بدّ وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة ههنا ؟ قلنا قوله : * ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) * معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والأعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه . وقبل ذلك ما كانوا كذلك ، ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله ، ولما قال : * ( أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) * أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم ، وقد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك .