فخر الدين الرازي

34

تفسير الرازي

عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى ومدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولاً ، مدحهم بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانياً ، وذلك واجب على المكلف ، لأنه إذا كان متشدداً في الدين خائفاً وجلا فلا بدّ من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله ، ويتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحاً بأنه على هدى وبصيرة ، وإنما نكر * ( هدى ) * ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً . قال عون بن عبد الله : الهدى من الله كثير ، ولا يبصره إلا بصير ، ولا يعمل به إلا يسير . ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ، ولا يهتدى بها إلا العلماء . المسألة الثالثة : في تكرير * ( أولئك ) * تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضاً ، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين . فإن قيل : فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله : * ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) * ( الأعراف : 179 ) قلنا : قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، وكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل . المسألة الرابعة : * ( هم ) * فصل وله فائدتان : إحداهما : الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة وثانيتهما : حصر الخبر في المبتدأ ، فإنك لو قلت الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان ، أما لو قلت : الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان . المسألة الخامسة : معنى التعريف في * ( المفلحون ) * الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو ؟ فقيل زيد التائب ، أي هو الذي أخبرت بتوبته ، أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم ، كما تقول لصاحبك : هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام ؟ إن زيداً هو هو . المسألة السادسة : المفلح الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه ، والمفلح بالجيم مثله ، والتركيب دال على معنى الشق والفتح ، ولهذا سمي الزراع فلاحاً ، ومشقوق الشفة السفلى أفلح ، وفي المثل " الحديد بالحديد يفلح " وتحقيقه أن الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علماً وعملاً بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال والإعظام ، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات . المسألة السابعة : هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه ، والمرجئة من وجه آخر . أما الوعيدية فمن وجهين : الأول : أن قوله : * ( وأولئك هم المفلحون ) * يقتضي الحصر ، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحاً ، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة