فخر الدين الرازي
31
تفسير الرازي
السلطان قد رزق جنده مالاً قد منعهم من أخذه ، وإنما يقال : إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه ، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان لكل من الله ، لكنه كما يقال : يا خالق المحدثات والعرش والكرسي ، ولا يقال : يا خالق الكلاب والخنازير ، وقال : * ( عينا يشرب بها عباد الله ) * ( الإنسان : 6 ) فخص اسم العباد بالمتقين ، وإن كان الكفار أيضاً من العباد ، وكذلك ها هنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقاً أيضاً ، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا ، لأن قوله عليه السلام : " فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه " صريح في أن الرزق قد يكون حراماً وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض للغة وهو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا ؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله أعلم . المسألة التاسعة : أصل الإنفاق إخراج المال من اليد ، ومنه نفق المبيع نفاقاً إذا كثر المشترون له ، ونفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها ، ونافقاء الفأرة لأنها تخرج منها ومنه النفق في قوله تعالى : * ( أن تبتغي نفقاً في الأرض ) * ( الأنعام : 35 ) . المسألة العاشرة : في قوله : * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * فوائد : أحدها : أدخل من التبعيضية صيانة لهم ، وكفى عن : الإسراف والتبذير المنهي عنه . وثانيها : قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم ، كأنه قال ويخصون بعض المال بالتصدق به . وثالثها : يدخل في الإنفاق المذكور في الآية ، الإنفاق الواجب ، والإنفاق المندوب ، والإنفاق الواجب أقسام : أحدها : الزكاة وهي قوله في آية الكنز : * ( ولا ينفقونها في سبيل الله ) * ( التوبة : 34 ) . وثانيها : الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته . وثالثها : الإنفاق في الجهاد . وأما الإنفاق المندوب فهو أيضاً إنفاق لقوله : * ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ) * وأراد به الصدقة لقوله بعده : * ( فأصدق وأكن من الصالحين ) * ( المنافقون : 10 ) فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح . * ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) * . اعلم أن قوله : * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * ( البقرة : 3 ) عام يتناول كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام ، أو ما كان مؤمناً بهما ، ودلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض ، لأن العام يحتمل التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية ، وقد شرف الله تعالى المسلمين بقوله : * ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) * ( البقرة : 2 ، 3 ) فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول : كعبد الله بن سلام وأمثاله بقوله : * ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى : * ( من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) * ( البقرة : 98 ) ثم تخصيص