فخر الدين الرازي

28

تفسير الرازي

الإنسان يعلم الغيب ، وهو خلاف قوله تعالى : * ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) * ( الأنعام : 59 ) أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث : لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته ، فقوله : * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته ، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة ، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته ، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور . والجواب عن الأول : أن قوله : * ( يؤمنون بالغيب ) * يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله : * ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) * يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة ، وهو جائز كما في قوله : * ( وملائكته وجبريل ورسله وميكال ) * ( البقرة : 98 ) وعن الثاني : أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا ، فكان ذلك التخصيص لازماً على الوجهين جميعاً . فإن قيل أفتقولون : العبد يعلم الغيب أم لا ؟ قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره ، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول : نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل ، ويفيد الكلام فلا يلتبس ، وعلى هذا الوجه قال العلماء : الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة . وعن الثالث : لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور ، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد . ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم . المسألة الخامسة : قال بعض الشيعة : المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله تعالى به في القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله : * ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) * ( النور : 55 ) وأما الخبر فقوله عليه السلام : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً " واعلم أن تخصيص المطلق من غير الدليل باطل . المسألة السادسة : ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوهاً : أحدها : أن إقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها وسننها وآدابها ، من أقام العود إذا قومه . وثانيها : أنها عبارة عن المداومة عليها كما قال تعالى : * ( والذين هم على صلاتهم يحافظون ) * وقال : * ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) * ( المعارج : 34 ) من قامت السوق إذا نفقت ، وأقامتها نفاقها ؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشئ النافق الذي نتوجه إليه الرغبات ، وإذا أضيعت كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه وثالثها : أنها عبارة عن التجرد لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور من قولهم : قام