فخر الدين الرازي
26
تفسير الرازي
القيد الأول : أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه : الأول : أنه كان في أصل اللغة للتصديق ، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلماً بغير كلام العرب ، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربياً . الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى ، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع . الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدي بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدي كذلك . الرابع : أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال : * ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) * ( البقرة : 41 ) وقوله : * ( وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( النحل : 106 ) * ( كتب في قلوبهم الإيمان ) * ( المجادلة : 22 ) * ( ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) * ( الحجرات : 14 ) الخامس : أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلاً في الإيمان لكان ذلك تكراراً . السادس : أنه تعالى كثيراً ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي ، قال : * ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) * ( الأنعام : 82 ) * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) * ( الحجرات : 9 ) واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) * ( البقرة : 78 ) من ثلاثة أوجه : أحدهما : أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * فدل على أنه مؤمن . وثانيها : قوله : * ( فمن عفي له من أخيه شيء ) * ( البقرة : 178 ) وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان ، لقوله تعالى : * ( إنما المؤمنون إخوة ) * ( الحجرات : 10 ) وثالثها : قوله : * ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) * ( البقرة : 178 ) وهذا لا يليق إلا بالمؤمن ، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى : * ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ) * ( الأنفال : 72 ) هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى : * ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) * ( النحل : 28 ) وقوله : * ( مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) * ( الأنفال : 72 ) ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضاً عليه قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) * ( الممتحنة : 1 ) وقال : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) * ( الأنفال : 27 ) وقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً ) * ( التحريم : 8 ) والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله : * ( وتوبوا إلى الله جميعاً أية المؤمنون ) * ( النور : 31 ) لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنباً وليس كذلك قولنا : هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة . القيد الثاني : أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) * ( البقرة : 8 ) نفي كونهم مؤمنين ، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي . القيد الثالث : أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً .