فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى : * ( لا ريب فيه ) * المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في كونه من عند الله ، ولا في كونه معجزاً . ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله : * ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) * ( البقرة : 23 ) وها هنا سؤالات : السؤال الأول : طعن بعض الملحدة فيه فقال : إن عني أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه ، وإن عني أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه . الجواب : المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه . السؤال الثاني : لم قال ههنا : * ( لا ريب فيه ) * وفي موضع آخر * ( لا فيها غول ) * ( الصافات : 47 ) ؟ الجواب : لأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت : لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً آخر حصل الريب فيه لا ها هنا ، كما قصد في قوله : * ( لا فيها غول ) * تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث : من أين يدل قوله : * ( لا ريب فيه ) * على نفي الريب بالكلية ؟ الجواب : قرأ أبو الشعثاء * ( لا ريب فيه ) * بالرفع . واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية ، والدليل عليه أن قوله : * ( لا ريب ) * نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك يناقض نفي الماهية ، ولهذا السر كان قولنا : " لا إله إلا الله " نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى . وأما قولنا : " لا ريب فيه " بالرفع فهو نقيض لقولنا : " ريب فيه " وهو يفيد ثبوت فرد واحد ، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض . الوقف على " فيه " : المسألة الثانية : الوقف على * ( فيه ) * هو المشهور ، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على * ( لا ريب ) * ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبراً ، ونظيره قوله : * ( قالوا لا ضير ) * وقول العرب : لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز ؛ والتقدير : * ( لا ريب فيه ) * * ( فيه هدى ) * . واعلم أن القراءة الأولى أولى ؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى ، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى والله أعلم . حقيقة الهدى : قوله تعالى : * ( هدى للمتقين ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : في حقيقة الهدى : الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب الكشاف : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء والعلم . والذي يدل